المامقاني
170
غاية الآمال ( ط . ق )
عليه ما كان يجرى عليه وامّا في الوجه الأوّل فإنّه يؤل إلى الإسقاط لأنه لا يعقل ان يقوم ذلك الحقّ به لنفسه على نفسه فيطالب نفسه بآثاره فلا فرق بالنّسبة إلى من عليه الحقّ بين ان يصالحه عن الحق أو يبرئه عنه ولا إشكال في جواز النقل بالنّسبة إليه وان آل الأمر إلى ما عرفت وانّما يسري الإشكال في بادي النّظر إلى أنه هل ثبت في الشّرع جواز نقل الحق إلى الأجنبي أم لا فنقول يرتفع الاشكال بالرّجوع إلى كلماتهم قال في عدو لو صالح الأجنبي المدعي لنفسه ليكون المطالبة له صحّ دينا كانت الدعوى أو عينا قال في ( جامع المقاصد ) إذا صالح الأجنبي المدعي على ما يستحقّه في ذمّة المدعى عليه لنفسه صحّ الصّلح ويكون المطالبة له لأن الحق ينتقل ( حينئذ ) إليه ولا فرق بين أن يكون الدّعوى عينا أو دينا وينبغي ان ( يقال ) لا ( يخلو ) الحال من أن يكون المدعى عليه مقرا أو منكرا ثم المصالح اما أن يكون عالما بثبوت الحق في ذمّة المدعى عليه أو لا فإن كان المدعى عليه مقرّا فلا بحث في صحة صلح الأجنبي لنفسه على كلّ حال ثمّ ان تمكن من انتزاع ما صالح عليه فلا بحث والا فقد أطلق في ( الدروس ) ان له الفسخ لعدم سلامة العوض وفي ( التحرير ) أطلق القول بصحّة الصّلح إذا كانت الدّعوى دينا والغريم معترف وحكى عن الشّيخ ( قدس سره ) القول بثبوت الفسخ لو كانت عينا والغريم معترف ولم يصرح بشيء ويحتمل عدم ثبوت الفسخ في واحد من الموضعين لان الصّلح عقد مستقل بنفسه وليس مبنيا على المكايسة والمغابنة ولهذا يصحّ مع الجهالة وعلى ما لا يعد ما لا فيجب التمسّك بعموم أوفوا بالعقود إلى أن يدل دليل على خلافه ولعل الشيخ ( قدس سره ) بنى الفسخ على القول بان الصّلح فرع البيع وان لم يكن المصالح عالما بثبوت الحق في ذمّة المدعى عليه وهو منكر فقد مال في ( التحرير ) إلى عدم جواز الصّلح وجوزه في ( الدروس ) وظاهره انه إذا لم يتمكن من إثبات الحق عليه بفسخ وفي كره صرّح بان جواز الدعوى من المصالح مشروط بعلم صدق المدعى المصالح فإن لم يعلم لم يجز له دعوى شيء لم يعلم ثبوته ولقائل أن يقول اشتراط الدعوى بعلم الاستحقاق غير واضح فان الوارث يدعى بخط مورثه والوكيل يدعى عن موكله وقد لا يعلمان الاستحقاق وكذا الموكل قد يدعى بخط وكيله ونحو ذلك فيدعى عليه ان ما لزيد عنده صار مستحقا له بالصّلح ويطلب منه اليمين مع الإنكار وعدم البينة ولا يضر عدم إمكان الردّ أو القضاء بالنكول كما في الوارث والقيم على الطَّفل وكذا لقائل أن يقول لم لا يجوز الصّلح على استحقاق الدّعوى فقط فانّ ذلك حق ويجوز الصّلح على كل حق لكن يرد عليه ( حينئذ ) انه لو ثبت الحق امتنع أخذه لعدم جريان الصّلح عليه ويجاب بان الصّلح لو جرى على أصل الاستحقاق فان ثبت الحق أخذه والا كان له استحقاق الدّعوى وطلب اليمين وبالجملة فيقوم مقام المدعى ولا بعد في ذلك ويغتفر في الصّلح ما لا يغتفر في غيره انتهى والغرض من ذكر هذا الكلام بطوله هو ان نقل الحق إلى الأجنبي مسلم في الجملة وان اختلف في خصوصياته وما ذكره المحقق الثاني ( رحمه الله ) في ذيل الكلام أوضح في إفادة ما نحن بصدده من ثبوت جواز النقل إلى غير من هو عليه ولو في الجملة فإنّا لسنا بصدد إثبات الكلية بل قد عرفت من كلامه ان كلّ حقّ يجوز الصّلح عليه غاية ما في الباب انه يقيّد بكونه ماليا على ما هو مقتضى كلامه الثاني الَّذي عرفت حكايته ثمّ ان النّقل قد يكون مجّانا وقد يكون بعوض والجميع موجود في الشّرع ومقتضى كلام ( المصنف ) ( رحمه الله ) ان من الحقوق ما هو غير قابل للمعاوضة بالمال مع قبوله للنقل ومنها ما لا يقبل النقل والوجه في ذلك أنه أفرد ما لا يقبل المعاوضة بالمال عما لا يقبل النقل وقابل بينهما وهو ( كذلك ) فقد قال العلَّامة ( قدس سره ) في ( القواعد ) بجواز هبة إحدى الضّرتين للأخرى حق مضاجعته زوجها مع أنه منع من الاعتياض عليه قال ولو وهبت ليلتها من ضرّتها فللزّوج الامتناع فان قبل فليس للموهوبة الامتناع ولا لغيرها وليس له المبيت عند غير الموهوبة أو الواهبة إلى أن قال ولو عاوضها من ليلتها بشيء لم يصح المعاوضة لأن المعوّض كون الرّجل عندها وهو لا يقابله عوض فتردّ ما أخذته ويقضى لأنّه لم يسلَّم لها العوض انتهى وذكر الحكم الأوّل في ( التذكرة ) في كتاب احياء الموات حيث قال الذين يسقون أراضيهم من الأودية المباحة لو تواضعوا على مهاياة وجعلوا للأولين أياما وللآخرين أياما جاز وكان ذلك رضى من الأوّلين بتقديم الآخرين ومسامحة غير لازمة ويشبه ذلك ما إذا وهبت الضّرة نوبتها من الضّرة وكل من رجع من الأوّلين كان له سقى أرضه انتهى بل ( الظاهر ) انه مما لا كلام فيه وان تردد جماعة في الثاني قال في ( الروضة ) عند قول الشهيد ( قدس سره ) ولا يصح الاعتياض من القسم بشيء من المال لان المعوّض كون الرّجل عندها وهو لا يقابل بعوض لأنه ليس بعين ولا منفعة كذا ذكره الشيخ ( قدس سره ) وتبعه عليه الجماعة وفي ( رحمة الله ) نسب القول إليه ساكتا عليه مشعرا بتوقفه فيه أو تمريضه وله وجه لأنّ المعاوضة غير منحصرة فيما ذكر ولقد كان ينبغي جواز الصّلح عليه كما يجوز الصّلح على حق الشّفعة والتحجير ونحوهما من الحقوق انتهى وفي كشف اللَّثام في ذيل التّعليل الَّذي تقدّم ذكره في عبارة عد من قوله لانّ المعوّض كون الرّجل عندها وهو لا يقابله عوض فانّ العوض انّما يقابل عينا أو منفعة وليس هذا الا سكنى ومأوى وفيه تردّد لمنع الحصر ولان علىّ بن جعفر سئل أخاه ( عليه السلام ) عن رجل له امرأتان فقالت إحديهما ليلى ويومي لك يوما أو شهرا أو ما كان ا يجوز ذلك قال إذا طابت نفسها واشترى ذلك منها فلا بأس ولذا اقتصر في ( التحرير ) على النّسبة إلى الشّيخ ( قدس سره ) كما نسب في ( الشرائع ) إلى القيل انتهى وبمعنى الخبر المذكور أخبار أخر ذكر بعضها في الوسائل في أبواب القسم والنّشوز وأشار إلى بعضها ولكن لا يخفى عليك ان تردّد جماعة في ذلك لا يورث وصمة في كلام ( المصنف ) ( رحمه الله ) لان كلامه مسوق لبيان الأقسام لا تحقيق أحوالها ويكفي في صحة سوق مثل هذا الكلام مجرد احتمال بعض الأقسام لذلك من جهة وقوع الخلاف فيه أو غير ذلك تنبيه قد استفيد من كلام المحقق الثاني ( قدس سره ) ان كل حق مالي يجوز الصّلح عنه وان مستنده ما أشار إليه في طي كلامه من التمسّك بقوله ( تعالى ) : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » ومثله في أصل الحكم الشهيد الثاني ( رحمه الله ) بل مقتضى كلامه التعميم بالنّسبة إلى ما ليس بحقّ مالي بدليل انه حكم في حق القسم بذلك مع كونه غير مالي وهو ظاهر وعلى هذا فيكون الأصل في كلّ حق مالي أو ( مطلقا ) هو جواز الصّلح عنه حتى يخرج شيء من افراده بالدّليل وعلى هذا استقر بناء بعض الأواخر تمسّكا بقوله ( عليه السلام ) الصّلح جائز بين المسلمين الا ما أحلّ حراما أو حرّم حلالا وعن الشيخ الفقيه المحقق موسى بن جعفر الغروي ( قدس سرهما ) انه جعل صحّة الصّلح منوطة بقبول الاسقاط فكل ما كان من الحقوق قابلا له صحّ الصّلح عنه وكل ما لم يكن قابلا له لم يصحّ الصّلح عنه والَّذي يظهر لي عاجلا هو عدم صحة الجميع لانّ عموم الأمر بالوفاء بالعقود لا يتأتّى منه كون المورد صالحا لإيراد العقد عليه ومثله حديث الصّلح وان جواز إسقاط الحق لا يستلزم ترخيص